الراغب الأصفهاني
65
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
وقال آخر : لولا ثلاث هنّ عيش الدهر * المال والخبز وأمّ عمرو من هيّجه الحمام بتغريده أنشد ابن أبي طاهر وقال هو أحسن ما قيل في بكاء الحمام : وقلبي أبكى كلّ من كان ذا هوى * هتوف البواكي والديار البلاقع « 1 » ومرّ على الأطلال من كلّ جانب * نوائح ما تخضّل منها المدامع مزبرجة الأعناق غرّ بطونها * مخطّمة بالدرّ خضر روائع « 2 » ترى طررا بين الخوافي كأنّما * حواشي برود أحكمتها الوشائع « 3 » ومن قطع الياقوت صيغت عيونها * خواضب بالحنّاء منها الأصابع قال حميد بن ثور : وما هاج هذا الشوق إلا حمامة * دعت ساق حرّ ترحة وترنّما بكت شجو ثكلى قد أصيب حميمها * مخافة بين يترك الحبل أجذما « 4 » فلم أر مثلي شاقه صوت مثلها * ولا عربيا شاقه صوت أعجما وقال آخر : يا ويح قمرية غنّت لنا هزجا * ممّا تغنّي بنظم جدّ متزن قد كنت واقعة دهرا على فنن * فصرت في جوف منحوت من القنن فخبّرينا وما ألقاك مخبرة * أتسجعين للهو منك أم شجن وفي الفؤاد هموم لست مظهرها * خوف الوشاة وإشفاقا من الزّمن التذكر بنار موقدة نظر أعرابي إلى نار بأرض محبوبه فقال : أنار بدت يا عبد في ساكن الغضا * مع الليل أم برق تلألأ ناضب « 5 »
--> ( 1 ) البلاقع : بلقع المكان : أي أقفر . ( 2 ) مزبرجة : مزيّنة ، محسنة من زبرج الشيء خسته - مخطّمه : جعل الخطام على أنفه ، والخطام ما يوضع في أنف البعير ليقاد به . ( 3 ) حواشي : أطراف - البرود : الثياب المخطّطة الموشاة جمع برد - الوشائع : جمع الوشيعة وهي خشبة يلف عليها لحمة الثوب لينسج . ( 4 ) الأجذم : المقطوع . ( 5 ) الغضا : جمع غضاة وهي شجرة الأثل ، وأهل الغضا : سكان نجد .